أحمد بن محمد القسطلاني
453
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
على فراقه ، وعبّر بقوله عبدًا بالتنكير ليظهر نباهة أهل العرفان في تفسير هذا المبهم فلم يفهم المقصود غير صاحبه الخصيص به فبكى . وقال : بل نفديك بأموالنا فسكن الرسول جزعه ( فقال ) ولغير الأصيلي وأبي ذر عن الكشميهني قال : ( يا أبا بكر لا تبك ) ثم خصّه بالخصوصية العظمى ، فقال : ( إن أمنّ الناس عليّ في صحبته وماله أبو بكر ) بفتح الهمزة والميم وتشديد النون من أمنّ أي أكثرهم جودًا بنفسه وماله بلا استثابة ولم يرد به المنّة لأنها تفسد الصنيعة ، ولأنه لا منّة لأحد عليه عليه الصلاة والسلام ، بل منّته والله على جميع الخلائق . وقال القرطبي : هو من الامتنّان يعني أن أبا بكر رضي الله عنه له من الحقوق ما لو كان لغيره لامتنّ بها ، وذلك لأنه بادر بالتصديق ونفقة الأموال وبالملازمة وبالمصاحبة إلى غير ذلك بانشراح صدر ورسوخ علم بأن الله ورسوله لهما المنّة في ذلك ، لكن الرسول عليه الصلاة والسلام بجميل أخلاقه وكرم أعراقه اعترف بذلك عملاً بشكر النعم ، وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند الترمذي مرفوعًا : " ما لأحد عندنا يد إلاّ كافأناه ما خلا أبا بكر فإن له عندنا يدًا يكافئه الله بها يوم القيامة " . ( ولو كنت متخذًا خليلاً ) أي أختار وأصطفي ( من أمتي ) كذا للأربعة ولغيرهم : ولو كنت متخذًا من أمتي خليلاً ( لاتخذت ) منهم ( أبا بكر ) لكونه متأهلاً لأن يتخذه عليه الصلاة والسلام خليلاً لولا المانع ، وهو أنه عليه الصلاة والسلام امتلأ قلبه بما تخلّله من معرفة الله تعالى ومحبته ومراقبته حتى كأنها مزجت أجزاء قلبه بذلك فلم يتّسع قلبه لخلّة غير الله عز وجل ، وعلى هذا فلا يكون الخليل إلاّ واحدًا ، ومن لم ينته إلى ذلك ممن تعلّق القلب به فهو حبيب ، ولذلك أثبت عليه الصلاة والسلام لأبي بكر وعائشة رضي الله عنهما أنهما أحبّ الناس إليه ونفى عنهما الخلّة التي هي فوق المحبة ، وللأصيلي : لاتخذت أبا بكر يعني خليلاً . ( ولكن أخوّة الإسلام ) أفضل ، وللأصيلي ولكن خوّة الإسلام بحذف الهمزة نقل حركة الهمزة إلى النون وحذف الهمزة فتضم فينطق بها كذلك ، ويجوز تسكينها تخفيفًا فيحصل فيها ثلاثة أوجه سكون النون مع ثبوت الهمزة على الأصل ، ونقل ضمة الهمزة للساكن قبلها وهو النون والثالثة كذلك ، لكن استثقلت ضمة بين كسرة وضمة فسكنت تخفيفًا فهذه فرع الفرع . ( ومودّته ) أي مودّة الإسلام وهي بمعنى الخلة ، والفرق بينهما باعتبار المتعلق ، فالمثبتة ما كان بحسب الإسلام ، والمنفية بجهة أخرى يدلّ عليه قوله في الحديث الآخر : ولكن خلة الإسلام أفضل والمودّة الإسلامية متفاوتة بحسب التفاوت في إعلاء كلمة الله تعالى ، وتحصيل كثرة الثواب . ولا ريب أن الصديق رضي الله عنه كان أفضل الصحابة رضي الله عنهم من هذه الحيثية . ( لا يبقين في المسجد باب ) بالبناء للفاعل والنون مشدّدة للتأكيد وباب رفع على الفاعلية والنهي راجع إلى المكلفين لا إلى الباب فكنّى بعدم البقاء عن عدم الإبقاء لأنه لازم له كأنه قال : لا يبقه أحد حتى لا يبقى ، وفي نسخة لا يبقين مبنيًّا للمفعول ، فلفظ باب نائب عن الفاعل أي لا يبق أحد في المسجد بابًا ، ( إلاّ ) بابًا ( سدّ ) بحذف المستثنى المقدّر ببابًا والفعل صفته وحينئذ ، فلا يقال الفعل وقع مستثنى ومستثنى منه ثم استثنى من هذا فقال : ( إلاّ باب أبي بكر ) الصديق رضي الله عنه بنصب باب على الاستثناء أو برفعه على البدل ، وفيه دلالة على الخصوصية لأبي بكر الصدّيق رضي الله عنه بالخلافة بعده عليه الصلاة والسلام والإمامة دون سائر الناس ، فأبقى خوخته دون خوخة غيره ، وهو يدل على أنه يخرج منها إلى المسجد للصلاة كذا قرّره ابن المنير ، وعورض بما في الترمذي من حديث ابن عباس رضي الله عنهما " سدّوا الأبواب إلاّ باب علّي " . وأجيب بأن الترمذي قال إنه غريب . وقال ابن عساكر : إنه وهم لكن للحديث طرق يقوّي بعضها بعضًا ، بل قال الحافظ ابن حجر في بعضها إسناده قوي وفي بعضها رجاله ثقات ، وفيه أن المساجد تُصان عن تطرّق الناس إليها في خوخات ونحوها إلاّ من أبوابها إلاّ لحاجة مهمة ، وسيكون لنا عودة إن شاء الله تعالى إلى ما في ذلك من البحث